الجصاص

374

الفصول في الأصول

اعتقاد صحة ( شئ ) ( 1 ) ولا يدري هل صحيح أم فاسد . وإن قال : علمت صحته . قيل له : فعلمته بدليل أم ( 2 ) بلا دليل ؟ فإن قال : علمته بلا دليل : قيل له : فكيف ( 3 ) علمت صحته ؟ وإن قال : علمته بدليل . قيل له : فقد تركت التقليد ولجأت إلى النظر ، فهلا نظرت في المذهب الذي قلدت فيه غيرك فاستدللت على صحته أو فساده ؟ وقد استغنيت عن التقليد ( 4 ) بنظر واستدلال ، كما أثبت التقليد ضرورة ، فكل من لم يضطر إلى صحة القول به لم يلزمه إثباته ، ولخصمه مع ذلك : أن يعارضه فيدعى علم الضرورة في إبطال التقليد ، ووجوب النظر ، وعلى أن ما كان العلم به ضرورة ، فالواجب أن يشترك سائر العقلاء في وقوع العلم به إذا تساووا في السبب الموجب للعلم الضروري . ويقال للقائل بالتقليد : قد وجدنا القائلين بالتقليد مختلفي المذاهب ، متضادي الاعتقادات على حسب تقليدهم لمن اتبعوه . فأي هذه المذاهب المتضادة الصحيح ؟ وأيها الفاسد ؟ إذ ( 5 ) يستحيل اجتماعها كلها في الصحة . فإن قال : مذهبي هو الصحيح ، لأن من قلدته أولى بأن يقلد من غيره ، فلذلك كان مذهبي صحيحا ، ومذهب غيري فاسدا . قيل له : ولم صار من قلدته مذهبك أولى بأن يقلد من غيره ممن قلده خصمك ؟ . فإن قال : لأن من قلدته أورع وأزهد ، وأظهر صلاحا . قيل له : فتأمن عليه الخطأ واعتقاد الباطل ؟ فإن قال : نعم قد أمنت جواز ذلك عليه ، فقد حكم له بصحة غيبة ، ( 6 ) وأن باطنه كظاهر ، وهذا غير جائز أن يحكم به لأحد ، إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم . وإن قال : يجوز عليه اعتقاد الضلال ، واختيار الخطأ ، والعدول عن الصواب . قيل له : فإذا جاز ذلك عليه ، فلست تأمن أن تكون مبطلا في تقليدك إياه ، واعتقادك مذهبه ، فلست إذا على علم من صحة قولك وبطلان قول خصمك . وقد نهى الله تعالى